ابراهيم بن محمد البيهقي

287

المحاسن والمساوئ

ما لنا إليكم حاجة ، فإن كانت لأمير المؤمنين إلينا حاجة فليأت أو يرسل رسولا . فقال عمر : سيروا بنا إليه . فسار في جماعة من وجوه البلقاء . قال : فدفعنا إلى أعرابيّ بفناء خيمته فسلّمنا فردّ السلام ، وتكلّم عمر فقال الأعرابيّ : أرسول أمير المؤمنين أنت ؟ قال : نعم ، قال : فإنّا قد زوّجناه على صداق نسائنا مائة من الإبل وما يتبعها من الثياب والخدم . فقلت : نعم . ثمّ جاءنا بثلاث جفان من كسور خبز ولبن فأكلنا ثمّ انصرفنا ، فكتبت إلى عبد الملك بن مروان فأرسل إليه بمائة من الإبل وعشرة آلاف درهم وما يتبع ذلك من الطيب والخدم والأثاث . فجهّزها ثمّ حملها إلى عبد الملك وما معها من ذلك شيء إلّا البعير الذي ركبته ومعها نسوة من بنات عمها . فلمّا وافت عبد الملك أمر فأدخلت إلى دار فأقامت أيّاما ثمّ إنّ عبد الملك بنى بها فكان كثيرا ما يقول : ما رأيت مثل هذه الأعرابيّة ظرفا وخلقا ومنطقا . فاشتدّ ذلك على عاتكة بنت يزيد بن معاوية فأرسلت إلى روح بن زنباع ، وكان من أخصّ الناس بعبد الملك ، فقالت : يا أبا زرعة قد علمت رأي أمير المؤمنين معاوية كان فيك ورأي يزيد من بعده وأنّ أمير المؤمنين قد أعجبه أمر هذه الأعرابيّة وغلبت على قلبه فشأنك في إفساد ذلك عنده . قال : نعم ونعمة عين . ثمّ خلا بعبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين كيف ترى الأعرابيّة ؟ قال : قد جمعت ما جمع النساء الحاضرة والبادية . قال : يا أمير المؤمنين إنّك من الأعرابيّة كما قال الأوّل : وإذا تسرّك من تميم خلّة * فلما يسوؤك من تميم أكثر فقال له : لا تقل ذلك ، قال : كأنّك بها قد حالت إلى غير ما هي عليه . فكثر ذلك منه . ثمّ إنّ عبد الملك دخل عليها فقال : يا شقراء أعلمت أنّ روحا قال لي كذا وكذا ؟ قالت : ولم ذاك وحال عشيرتي وعشيرته كما تعلم ؟ قال : هو علي ما قلت لك وإن أحببت أسمعتك ذلك منه ! فقالت : قد أحببت . فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح ، فلمّا دخل عليه قال : هيه يا أبا زرعة واللّه لقد وقع كلامك منى موقعا ! قال : نعم يا أمير المؤمنين إنّ الأعرابيّة تنتكث كانتكاث الحبل ثمّ لا تدري ما أنت عليه منها . فعجّلت ورفعت الستر وقالت : أنت فلا حيّاك اللّه ولا وصل رحمك قد كان يبلغني هذا عنك فما كنت أصدّق ! فوثب روح وقال : يا هذه إنّ هذا أرسل إليّ فأعلمني أنّك خلف الستر وعزم عليّ أن أتكلّم بهذا فلم أجد بدّا من أن برّ عزيمته ، وأمّا أنت فلا يسوؤك اللّه ! قالت صدق واللّه ابن عمّي وأنت الذي حملته على ما قال . فقال عبد الملك : ويلك يا شقراء إلّا تقبلي منه ! قالت : هو عندي أصدق منك . وجعل روح يقول وهو مولّ : هو واللّه الحقّ كما أقول . فخرج ووقع الكلام بينهما .